الألم حروفه حروف الأمل

التلاشي

2008/08/21  ،  11:10 م .. التعليقات 0 .. الرابط

ستبصر- أول ما تبصر- كتلا بيضاء. ستعجب: كيف جئت إلى هنا ؟! ستراهم بزيهم الأبيض يمرقون في الطرقات. ستجدهم يهرعون ، يدلفون إلى تلك الحجرة التي ربض أمامها كثيرون ، سيمر بصرك سريعا على الرابضين على أناس هم تماثيل شمعية لا يتحرك منها سوى أدمع ساخنة نحتت مجراها على الوجوه ، ستمر عليها علك تعرف كيف جئت إلى هنا ، أو حتى تعرف ما يجري، ستعود ترنو إلى الوجوه ، ستسقط في لجة الفزع عندما ترى أمك بينهم.. منتبذةً ركنا قصيا.. متكورةً ، رأسها مقبور بين كفيها ، سيصلك نحيبها مُتمزقاً مُمزقاً الصمت والأفئدة ، جاثيا سترتمي أمامها، تنادي عليها ، ستحاول جاهدا تحرير وجهها من قضبان يديها .. لن تستطيع، سيكون صوتك هواءً ، ستعودُ تهمس تارة وتنادي تارة ، ولن تُجيبك ، ستشكُ أنها عامدةٌ تتجاهلك ، سيحتضن بصرُكَ الأرضَ ، وستجوبُ الذاكرةَ، ربما تتذكر ما جعلها تتجاهلُك، وعندما تئنٌ من السفر في ذاكرتك، ستعرفُ أنك ما فعلتَ شيئا يُغضبها، وأن آخر عهدها بك عندما جلسَت متبسمةً تُراقبُك تزرعُ زيتوناً وأملاً بين أشلاءِ حديقتِك ، ثم أسجاك مرضُك طويلاً.. مرضُك الذي كنت لا تنام فيه سوى على شِقكَ الأيمن بأمرِ طبيبِكَ- سلامٌ على شِقك الأيمن- ستعودُ تنادِيها ، متمنيا فقط لو تنظرُ إليك ، وستحتمل نظراتَها حتى لو كانت عتابا حاراً أو لوما مريرا، لكنها لن تفعل ، بجنون ستنطلق إلى باقي التماثيلِ ، ستجد الدمع في بعض الأعين قابعاً فيحيلُها إلى أعينٍ زجاجيةٍ ، وبعض قد نضبت أدمُعُه ، وسترى أدمعاً قد غارت أعينُها ، ستصطدمُ عيناك بوجهٍ كوجه جدك ، ووجوهِ كوجوهِ إخوتِك ، ستعرفُ ساعتَها كيف أنهم لا يشبهونك ، ستحاول أن تتذكرَ آخرَ مكانِ جمعَ بينكم.. لن تتذكرَ ، وستجزمُ وقتئذٍ أن هذه هي مرتُك الأولى التي تراهم جميعاً دفعةً واحدة - وتحسبُهم جميعاً - ستراهم مبعثرين في الأركان . سُبلُهم تقطعت بهم . قِطعاً من الليلِ ستكون وجوهُهم . ستنسحبُ إلى اهتراءاتِ فضاءِ وجه جدك ، مصفراً هو، كأنما انهزم الأملُ في خلاياهُ ، متكئاً على الجدارِ ، وغيماتِ من الدمعِ رابضةً على أفقِ عينيه ، تُساقطُ سيلاً على صدرٍ انغرست به بذور الخوفِ فأنبتت زروعَ الانكسار، مِسبحتُه العتيقةُ مازالت عالقةً متشبثةً ترتجفُ بين أناملهِ ، ترتعشُ شفتاه بين أحراشِ النجوى ، بينما أرسلَ عينيه في معراجِ إلى السماءِ . بشغفٍ تجري إليه
- جدي. ماذا حدث؟! هل وقع مكروهٌ لأحدٍ؟!
لن يرد ، وستُصيبُك لعنةُ التجاهل ، سيترُكُك تتلظى في أَتونِ الانهيار ، ولن تسمعَ إلا نشيش غليانٍ يفورُ بأحشائِك ، وحمما هي صرخاتُك ، وبعدها لن تسمعَ إلا أصدائَها . ستنطلقُ إلى إخوتِك تصرخُ في وجوهِهم
- ما لكم لا تنطقون؟!
ولن تجدَ الجميع إلا أعيناً معلقةً على بابِ تلك الحجرة ، تكادُ تسمعُ أنفاسَهم وضجيجَ ضربات قلوبِهم ، وقبل التلاشي ستراها قادمةً.. قسماتِها .. خطواتِها.. تصفيفةَ شعرِها ، هي كعادتِها جاءت عند الاحتياجِ ، ملهوفاً ستهرعُ إليها
- هل تصدقي؟! الجميعُ يتجاهلُني ! ماذا فعلتُ كي يكون منهم ذلك؟! أقسمُ أني ما فعلتُ ما يجعلهم كذلك. بحق حبي لكِ حدثيني.. أخبريني.. ماذا يدور داخل تلك الحجرة؟ ماذا حلَ بالجميعِ؟ ومالَكِ ذابلةَ الوجه؟ ما لدمعِكِ لا يرقأ؟ تحدثي.. لماذا إنطفأ بريقُ عينيكِ ؟!
لن تجد منها إلا نظرةً تخترقُك وتستقرُ على الجدار.. ستتركك وترتمي بين ذراعي أمك ، ستقفُ مبهوتا مأخوذاً متمنياً لو أن ذلك كله أضغاث أحلام ، وعندما سينفتحُ بابُ الحجرةِ سيخرجُ منها طبيبُك الذي كثيرا ما كان يأمرُكَ - وقت مرضك - أن تنامَ على شِقك الأيمن ، ستراهُ يخرجُ مطرقَ الرأسِ ، يطلُ الفشلُ من عينيهِ ، ستفكرُ أن تستغيثَ به ، أن تسأله ، ستخرجُ باقي الكتلُ البيضاءُ صامتةً مُطرقةً ، ستقرأُ الأعينُ ما دار بالداخلِ ، وجميعا ستراهم ينهارون ، ينصهرون . ستنفجر خلاياكَ ، وستهرعُ إلى الداخل ، ستجدُهُ مسجى على الفراش.. مغطى بأكملهِ ، ستحاولُ جاهداً رفع الغطاءِ عن وجههِ ، ستحاولُ وتحاول ، ستجدُ الغطاءَ ثقيلاً ، لكنكَ ترفعُه ، وعندها فقط ستعلمُ أن الميتَ أنتَ.

هشام توفيق



إلى أمي

2008/08/21  ،  11:06 م .. التعليقات 0 .. الرابط

التحيات الطيبات وبعد..
في الأوطان عشنا نحن.. هم عششوا .
عشنا ردحا من الأزمان.. فيها ضغطوا علينا سحقوا الأحلام في الأمهاد ... مجبرين نأينا عنها.. فعششوا فيها .. انسلخنا عن الأوطان حاملين الحلم القديم وشيئا من الخبز .. جبنا الأرض ننشد أمنا وخبزا ، وبعيدا هناك كان الخبز ومات الأمن .
الخبز في البعد السحيق مر الطعم ، والأمن في الأوطان منعدم.
في الأوطان يا أمي شبعنا من أكل الجوع وشرب الظمأ، وفي غربتنا سئمنا من جرح النفس أمام الملأ ، من سكرات أناشيد الصمت ، سئمنا من وضع أكاليل الغار على أجداث الحلم.
أمي تسأليني عن غربتي ..
في غربتي يغتسل الناس مما يراق من ماء وجهي، ولا يسمعون أنين الصمت داخل ساحات الموت القابع في الأحشاء..
أتذكري يا أمي عندما ..
خِلتُ في السفر الخلاص فقلت سفر من الوطن، تعلمت من أبي أن أكتب على المرآة موضوع القلق، فكتبت( سفرٌ )من الوطن، تذكرت موؤد الحلم في الأوطان فوجدتني أكتب حروفها معكوسة فكتبت
( ر.. ف.. سٌ ) من الوطن.
دخل أبي .. قرأها .. نظر مباشرةً في عيني وقال :
عُذرا ولدي... سامحني قدرك أن تنبت في وطن ماتت طبقاته الوسطى .
( الجوعُ ) حروفه حروف ( الوجع ).
في الأوطان استلهمنا الصبرَ على أوجاع الجوع في صمت، وفي الغربة استجدينا الصبر على انتحار الكبرياءِ في وهن، فكان علينا أن نختار شِئنا أم أبينا ما بين أوطان لنا فيها جوع وكبرياء، أو غربة علينا فيها شبعٌ وانحناء .
كتبت لي أمي .. فتحت رسالتها، كان سطرا في وسط الورقة:

- لا تنس أن الألمَ حروفه حروف الأمل.
.
هشام توفيق



عني

الرئيسة
الملف
الارشيف
الاصدقاء
ألبوم الصور

روابط


الاقسام


مدوناتي الاخيرة

التلاشي
إلى أمي

الاصدقاء

angie
aldktwora
fadiabatisha
hajar1107

عناوين أخرى

اكتب كوم
إبدأ مدونتك
دليل المدونات
أخبار | العاب | المرأة | طالبات | الجامعات | برامج اسهم | بريد | فيديو | تداول | مواقع | منتديات | توصيه | جوال | مدونه | دليل | رساله | رياضه | سيارة | شات | قروبات| منتدى | نوكيا | رمال